أبو نصر الفارابي
68
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
تحتها ، وتبعد أحيانا عنه ، وتظهر أحيانا وتستر أحيانا . فتلحقها هذه المتضادات لا في جواهرها ، ولا في الأعراض التي تقرب من جواهرها ، بل في نسبها ، وذلك مثل الطلوع والغروب ، فإنهما نسبتان لها إلى ما تحتها ، متضادتان . والجسم السماوي أول الموجودات التي تلحقها أشياء متضادة . وأول الأشياء التي يكون فيها تضادّ هي نسب هذا الجسم إلى ما تحته ، ونسب بعضها إلى بعض . وهذه المتضادات هي أخس المتضادات ؛ والتضاد نقص في الوجود . فالجسم السمائي يلحقه النقص في أخس الأشياء التي شأنها أن توجد « 1 » . وللأجسام السماوية كلها أيضا طبيعة مشتركة ، وهي التي صارت تتحرك كلها بحركة الجسم الأول ؛ منها حركة دورية في اليوم والليلة ؛ وذلك أن هذه الحركة ليست لما تحت السماء الأولى قسرا ، إذ كان لا يمكن أن يكون في السماء شيء يجري قسرا « 2 » . وبينها أيضا تباين في جواهرها من غير تضاد ، مثل مباينة زحل للمشتري ، وكل كوكب لكل كوكب ، وكل كرة لكل كرة « 3 » . ثم يلحقها ، كما قلنا ، تضاد في نسبها ، وان تتبدل تلك النسب ومتضاداتها وتتعاقب عليها ، فتتخلى من نسبة ما وتصير إلى ضدها ، ثم تعود إلى ما كانت تخلت منه بالنوع لا بالعدد ، فيكون لها نسب تتكرر ، ويعود بعضها في مدة
--> ( 1 ) وتختلف أيضا في العرض فتسرع حول الأرض حينا وتبطئ حينا وتقترب من بعضها أو تبتعد وتظهر أحيانا وتستتر أحيانا . ( 2 ) للأجسام السماوية طبيعة مشتركة هي الحركة الدورية . ( 3 ) وهي تتباين في جواهرها من غير تضاد .